Thursday, July 2, 2009

الحياة ضمن حدود المشكلة - الانفصال

يقال دوماً أن الوجود ضمن حدود المشكلة وداخلها يصعّب من حلّها, فحتّى تنجح في ايجاد الحلّ والمخرج لابدّ من تغيير الزاوية التي تنظر بها إلى ماهيّة الأزمة, حتى أنّ بعض المفكرين يقرّون باستحالة وضح حلّ لمشكلة انطلاقاً من نفس المكان الذي ابتدأت منه. فألبرت أنشتاين مثلاً يقول "لا يمكن حلّ المشكلة بواسطة نفس الإدراك الّذي خلقها" فالظاهر هو أنه يجب حدوث تغيير في النظرة والتفكير قبل وضع حلّ فعّال.

وعند التفكير بالموضوع قليلاً فالانفصال الضّروريّ عن المشكلة يمكن أن يأخذ شكلاً فيزيائياً. يعني أن تكون بعيدا وجودياً عن المشكلة في مكان اخر ومن هنا نلاحظ -على سبيل المثال- أن المغتربين هم بشكل عام أكثر ضلوعاً بسبل النهوض بالمجتمع من الأفراد الذين يعيشون تحت مظلّة مشاكله يومياً, يصبحون ويمسون متأثرين بتبعاتها مما قد يُفقدهم بعضاً من الموضوعية والنظرة الهادفة في معالجتها. طبعاً المغتربين ممن قضوا جزءاً وافياً من حياتهم في بلادهم قبل الاغتراب مما أعطاهم فكرة كافية عن معطيات المشكلة على الأرض...

ويمكن أن يأخذ الإنفصال عن المشكلة شكلاً وجدانيا فكرياً بمعنى أن يغيّر الإنسان طريقة تفكيره التي تعوّد عليها وهو أمر ليس بسهل, ويتطلب جهداً ومواظبة. في الحقيقة إنّ الأفكار البالية الناتجة عن طرائق غير سليمة موروثة في التفكير هي جوهر علم النفس الحديث ومحور اهتمامه لما تؤدّي إليه من حالة نفسية ومشاعر سلبيتان. ولنأخذ عدم تقبّل الاخر على سبيل المثال, فإذا صادفت شخصاً لا تتفق مع وجهة نظره أو منظره الخارجي مثلاً وخلقت في ذهنك الفكرة التالية "شو هالعالم هي؟!" أو "واحد فايت بالحيط" فأنت بذلك تقع في فخ واحدة من أشيع الطرق الغير سويّة في التفكير وهي كما يسمّيها أصحاب الفكرة "التصنيف". فأنت يا سيّدي قمت لاشعورياً بتصنيف هذا الإنسان على أنه إنسان منقوص أدنى درجة من الإنسان الطبيعي الذي ينال رضاك أنت كشخص. طبعاً عندما قمت بتصنيف هذا الإنسان ووسمه أنت صنّفته ككلّ مع أنّك ربما لا تعلم عنه إلّا القليل أو لا شيء مطلقاً...

في الحقيقة إن "التصنيف" مرفوض من حيث المبدأ, يعني أن تقول فلان شخص غبي (مثلاً)... إنّ التصرّفات الغبية بلا شك موجودة وكلّنا يرتكبها بين حين واخر, ولكنّ الإنسان الغبي غير موجود وتصنيفك له بهذه الطريقة يعني انفصالك عن التعاطي معه ورفضك لتقبّله ككلّ.
"التصنيف" هو واحدة من كثير من الطرق غير السوية في التفكير بالمواقف اليومية التي قد تضمّ كذلك "المبالغة" بأن تضخّم الأمور إلى أكبر من حجمها الواقعي و "التصفية الذهنية" بأن تنتقي وتختار السلبي من المواقف والأفكار وتترك الإيجابي, كذلك "القفز إلى الاستنتاجات" وغيرها...

أترك لك قارئي العزيز وصلة إلى قائمة بكل طرق التفكير الخاطئة هذه باللغة الإنكليزية (للأسف) على ويكيبيديا
Cognitive distortion - Wikipedia (English)

هذا هو الموضوع بكل بساطة بدون أي تعقيدات! طرق خاطئة في استيعاب المواقف والأحداث اليومية تؤدي إلى مشاعر سلبية وردات فعل انفعالية غير طبيعية... يبقى يا سيّدي السؤال الأهم: هل لديّ ولديك الهمّة والالتزام الضروريان لإعادة أذهاننا إلى تفكيرها السويّ؟
ربــّما كان ذلك يستحقّ منّا المحاولة, في النهاية ما نحنُ إلّا مجرّد بشر!
دمتم بخير